Monday, September 21, 2026

أحذر من عدم دقة اقوالك و مدونات مذكراتك امام القضاء

العدالة في مدونات القضاء: تحليلات أصولية وقراءات تحليليّة في أحدث أحكام محكمة النقض المدنية (الطعن رقم 20649 لسنة 92 قضائية)

المقدمة والتعريف بالحكم القضائي محل الدراسة

  تُمثّل الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة النقض المصرية المَعين الأساسي الذي تستقي منه المحاكم الأدنى والفقهاء والممارسون المبادئ القانونية والتفسيرات القويمة للنصوص التشريعية. ومحكمة النقض، بوصفها محكمة قانون تُهيمن على التفسير القانوني وتضمن حسن تطبيقه وتوحيد كلمته، لا تألو جهداً في إرساء الضوابط الكفيلة بحماية حقوق الخصوم وضمان مبدأ العدالة الناجزة القائمة على التسبيب السليم وتكامل أسباب الأحكام مع منطوقها.

  وتتسلط هذه الدراسة القانونية بالتحصيل والتفصيل والتأصيل على الحكم الصادر عن محكمة النقض – دائرة السبت (أ) المدنية – في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 20649 لسنة 92 قضائية، الصادر بجلسة 24 من مايو سنة 2025م (الموافق 26 من ذو القعدة سنة 1446هـ)، برئاسة السيد القاضي / محمد رشاد أمين (نائب رئيس المحكمة) وعضوية السادة القضاة نواب رئيس المحكمة.

 وتبرز أهمية هذا الحكم تحديداً في كونه يُعالِج مسألتين إجرائيتين وموضوعيتين في غاية الأهمية في مجال القضاء المدني والخصومة القضائية ألا و هى تسبيب الأحكام والقصور الموجب للبطلان، ومدى التزام محكمة الموضوع بالرد على الدفاع الجوهري للخصوم والتثبت من المستندات المؤثرة في وجه الرأي في الدعوى. 

  قوة الإقرار القضائي والأوراق والمستندات المقدمة في الدعوى وحجيتها القاطعة في مواجهة المقر، ومدى جواز إغفال محكمة الموضوع لإقرار قضائي صريح صادر أمامها ومؤثر في الحسابات والتزامات الطرفين.  

 1- وقائع الخصومة وسيرها في درجات التقاضي 

   لتفهم مرامي الحكم وأبعاده القانونية، يستوجب الأمر عرض وقائع النزاع وتدرجه أمام محاكم الموضوع بدرجتيها وصولاً إلى محكمة النقض: 

  أولاً: الوقائع وحقيقة النزاع (محكمة أول درجة)

    ترجع وقائع النزاع إلى أقامه المطعون ضدها الأولى دعوى موضوعية أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية (النزاع المقيد برقم 1916 لسنة 2010 مدني كلي الإسكندرية) ضد مورث الطاعن والمطعون ضده الثاني.   طلبات المطعون ضدها الأولى (المدعية): إلزام مورث الطاعن والمطعون ضده الثاني بالتضامن بأن يؤديا لها مبلغ 1,057,361.80 جنيه مصري (مليوناً وسبعة وخمسين ألفاً وثلاثمائة وواحداً وستين جنيهاً وثمانين قرشاً)، قيمة الأرباح المستحقة لها والفوائد القانونية بواقع 4% من تاريخ المطالبة حتى تمام السداد، ومبلغ 150,000 جنيه تعويضاً اتفاقياً؛ استناداً إلى عقد مؤرخ 26/11/1997 لاتفاقهم على بناء عمارة سكنية محل النزاع واختصاصهما بنصف الأرباح واختصاصها بالنصف الآخر.  

   طلبات المطعون ضدهما/مورث الطاعن (دعوى فرعية): أقام مورث الطاعن دعوى فرعية بطلب براءة ذمته من مستحقات المطعون ضدها الأولى، وإلزامها والمطعون ضده الثاني بالتضامن بأداء مصاريف ترخيص الهدم والبناء وقيمة تكلفتهما والأتعاب المتفق عليها بالعقد بنسبة 10%، وإلزامهما بمبلغ 150,000 جنيه تعويضاً اتفاقياً والفوائد 4%، وإلزام المطعون ضدها الأولى بأداء مبلغ 526,953 جنيه قيمة الفرق بين المستحق لها وما تحصلت عليه من أرباح ومبالغ ناتجة عن بيع وحدات العقار.  

  الإجراءات أمام محكمة أول درجة: ندبت المحكمة خبيراً في الدعوى، ثم ندبت لجنة ثلاثية من الخبراء، وبعد إيداع التقرير أحالت الدعوى للتحقيق واستمعت لشاهدين.   قضاء محكمة أول درجة: قضت بتاريخ 29/6/2021 بإلزام مورث الطاعن والمطعون ضده الثاني بأن يؤديا للمطعون ضدها الأولى المبلغ المقضي به وفوائده والتعويض الاتفاقي، ورفض الدعوى الفرعية.

   ثانياً: سير الدعوى أمام محكمة الاستئناف 

    استأنف مورث الطاعن هذا الحكم بالاستئناف رقم 5330 لسنة 77 ق أمام محكمة استئناف الإسكندرية.   قضاء محكمة الاستئناف: قضت المحكمة بتاريخ 30/5/2022 بتأييد الحكم المستأنف.  

 ثالثاً: الطعن بالنقض وأسباب العيب المنعي على الحكم 

   طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض بصحيفة أُعلنت للمطعون ضده الثاني في 25/9/2022. وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه.   وجه النعي الأساسي للطاعن: ينعى الطاعن على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع؛ إذ أيد الحكم الابتدائي القاضي بإلزامه بالمبلغ المذكور ورفض دعواه الفرعية، دون حساب تكاليف الهدم والترخيص الخاص بالفيلّا التي كانت مقامة على أرض العقار محل النزاع رغم طلبه ذلك وتقديمه المستندات الدالة عليه.   

   وجه الدفاع الجوهري الصريح: أقرّت المطعون ضدها الأولى (المدعية) أمام محكمة الاستئناف إقراراً قضائياً باستلامها مبالغ مالية من ثمن بيع وحدات العقار ورفضت حلف اليمين المتممة التي وجهتها إليها المحكمة بهذا الشأن، وإذ التفت الحكم المطعون فيه عن هذا الإقرار الصريح وعن طلب احتساب التكاليف المستند للترخيص والمستندات دون أن يورد أسباباً سائغة لإطراحه، فإنه يكون معيباً بالقصور والإخلال بحق الدفاع بما يستوجب نقضه.  

2-التكييف والتأصيل القانوني لأسباب الحكم والرد عليها

   استندت محكمة النقض في أسباب قضائها بنقض الحكم إلى أصول وقواعد إجرائية وموضوعية راسخة في قانون المرافعات المدنية والتجارية والقانون المدني المصري، ويمكن تأصيلها على النحو الآتي:

أ. التأصيل القانوني لالتزام محكمة الموضوع بتسبيب الأحكام (المادتان 176 و178 مرافعات)

   القاعدة: أوجبت المادة 176 من قانون المرافعات المدنية والتجارية أن تشتمل الأحكام على الأسباب التي بُنيت عليها وإلا كانت باطلة. كما نصت المادة 178 مرافعات على وجوب البحث الدقيق في موضوع الدعوى وطلبات الخصوم وسند كل منهم واستخلاص ثبوت الواقعة بطريق سائغ.  

 التأصيل الفقهي والقضائي: التسبيب ليس مجرد شكل خارجي أو إجراء طقسي، بل هو الضمانة الأساسية التي يطمئن بها الخصوم والكافة إلى أن القاضي قد ألمّ بوقائع النزاع وأدلتها ومحص دفاع الخصوم الجوهري وأخضع الواقع لحكم القانون. فالمراد بإيراد الأسباب هو تمكين محكمة النقض من إعمال رقابتها على تطبيق القانون ومدى ملاءمة الاستنباط للوقائع الثابتة بالوراق. 

    القصور الموجب للنقض: متى قدم الخصم دفاعاً جوهرياً يتغير به – إن صح – وجه الرأي في الدعوى، وارتكز على أوراق أو مستندات أو إقرار، وجب على محكمة الموضوع أن تعرض له وتفنده بأسباب خاصة؛ فإن هي أغلقت باب البحث عنه ولم ترد عليه، أو أوردت رداً مجرداً لا يواجه الدفاع، كان حكمها قاصراً واجباً نقضه. 

ب- التأصيل القانوني لحجية الإقرار القضائي 

   القاعدة: الإقرار في الأصل هو اعتراف شخص بواقعة قانونية ترتب آثاراً ضد مصلحته ولصالح خصمه، بحيث تصبح الواقعة في غير حاجة إلى الإثبات وتقطع النزاع في شأنها.   طبيعة الإقرار القضائي: حسمت محكمة النقض أن الإقرار القضائي هو الذي يصدر من الخصم أمام القضاء شفاهة أو كتابة في مذكرة مقدمة منه أثناء سير الدعوى؛ وبهذه المثابة يُعد حجة قاطعة على المقِرّ لا يجوز له الرجوع عنها ولا يحتاج معها الخصم الآخر إلى تقديم أدلة إضافية إثباتاً للواقعة المقرّ بها.   

   إسقاط القاعدة على واقعة النزاع: طالما أن المطعون ضدها الأولى قد قررت صراحة أمام محكمة الاستئناف بتسلمها مبالغ مالية ناتجة عن بيع الوحدات (وهو إقرار قضائي صريح مقيد بمدونات ومذكرات الدعوى)، فإن هذا الإقرار يقطع بخصم تلك المبالغ من مستحقاتها أو بإعادة حساب أرباح الخصوم ونتائج المشاركة بناءً عليه. وتجاهُل المحكمة لهذا الإقرار وعدم إعمال أثره أو العرض له بالقبول أو التفنيد السائغ يُعد إهداراً لقواعد الإثبات الآمرة وقصوراً يفسد الحكم. 

ج-عدم كفاية الإحالة المطلقة لتقرير الخبراء عند وجود دفاع طارئ وجوهري

   القاعدة: لئن كان لمحكمة الموضوع سلطة فهم الواقع في الدعوى وتقدير أدلتها وترجيح ما تطمئن إليه من تقارير الخبراء، إلا أن شرط ذلك ألا تأخذ بتقرير الخبير المودع محمولاً على أسبابه إذا طرأ على الدعوى أو أثير أمامها دفاع جوهري أو أدلة جديدة (كالإقرار القضائي اللاحق) يُغير من النتيجة التي انتهى إليها الخبير. 

    التطبيق: اتكأت محكمة الاستئناف على تقرير لجنة الخبراء المنتدبة أمام محكمة أول درجة أخذت به كسبب لحكمها، في حين أن هذا التقرير سابق على الإقرار الصادر من المدعية أمام الاستئناف، ولم يتناول حساب تكاليف الهدم والترخيص للفيلّا المقامة السابقة بطلب مورث الطاعن. ومن ثم فإن الاعتماد المطلق على تقرير الخبير دون بحث الدفاع والتطورات اللاحقة يجعله غير صالح ليكون سندا كافياً للحكم. 

  رابعاً-استخراج المبادئ القانونية المستفادة من الحكم 

   يتضمن الحكم محل الدراسة مجموعة من المبادئ القضائية السامية التي تُشكل أحكاماً مرجعية في قضاء النقض المدني، ويمكن إيجازها وتنظيمها في النقاط التالية:

المبدأ الأول (تسبيب الأحكام وحمايتها من القصور):

   المشرع لم يقصد بإيراد الأسباب أن يستكمل الحكم شكلاً معيناً فحسب، بل أن تتضمن مدونات الحكم ما يطمئن المطلع عليه إلى أن المحكمة قد ألمت بالواقع المطروح عليها وتمحصت أدلته ودفاع الخصوم وأنزلت عليه حكم القانون السليم.

  المبدأ الثاني (التزام محكمة الموضوع بالرد على الدفاع الجوهري)

   تمسك الخصم بدفاع يترتب عليه تغيير وجه الرأي في الدعوى وتدليله عليه بأوراق أو مستندات أو وقائع لها دلالة معينة، يوجب على محكمة الموضوع أن تتعرض لتلك الأوراق وتقول كلمتها في شأن دلالتها إيجاباً أو سلباً، وإلا كان حكمها قاصراً واجب النقض.   

المبدأ الثالث (حجية وقوة الإقرار القضائي)

  الإقرار القضائي الصادر من الخصم شفاهة أو كتابة في مذكرة مقدمة منه أثناء سير الدعوى أمام القضاء يعتبر حجة قاطعة على المقر تثبت به الواقعة المنسوبة إليه بغير حاجة إلى دليل آخر، وتلزم محكمة الموضوع بإعمال أثر هذا الاعتراف. 

المبدأ الرابع (ضوابط الاستناد لتقرير الخبير):

   إذا أخذت المحكمة بتقرير الخبير المقدم في الدعوى وأحالت في بيان أسباب حكمها إليه، وكانت أسبابه لا تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها بحيث لا تصلح رداً على دفاع جوهري تمسك به الخصم، فإن حكمها يكون معيباً بالقصور في التسبيب.

 المبدأ الخامس (وجوب مراعاة التكاليف والنفقات المخصومة في عقود المشاركة)

    في عقود المشاركة لبناء العقارات، لا يجوز التفات المحكمة عن طلب أحد الشركاء باحتساب تكاليف الترخيص والهدم وإعداد الأرض المسبقة، أو إغفال المبالغ المسددة للشركاء تحت الحساب، لما ينطوي عليه ذلك من أثر مباشر في إحداث خلل بتحديد صافي الأرباح وتصفية المراكز المالية. 

خامساً- المنطوق والآثار المترتبة على الحكم

1. المنطوق قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف الإسكندرية لتفصل فيها من جديد هيئة أخرى، وألزمت المطعون ضدهما المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.  

 2. التحليل القانوني لأثر النقض والإحالةسقوط الحكم المطعون فيه وعودة الخصومة للمرحلة الاستئنافية: ترتب على قضاء محكمة النقض زوال الحكم المستأنف المعيب وإعادة الخصومة إلى النقطة التي كانت عليها قبل صدور الحكم المنقوض بالنسبة للقطع المقضى فيه.التزام محكمة الإحالة: تلتزم محكمة استئناف الإسكندرية (بهيئة أخرى) بالنظر في الاستئناف والتعرض لبحث الدفاع الجوهري للمستأنف (الطاعن) المتعلق باحتساب مصاريف الهدم والترخيص، وكذا إعمال الأثر القانوني الحاسم للإقرار القضائي الصادر من المطعون ضدها الأولى باستلام مبالغ مالية تحت حساب الأرباح، مع إعادة تصفية الحسابات والتعويضات على نحو متوازن وسليم موافق للقانون. 

  الخاتمة

   يُجسد هذا الحكم الصادر في الطعن رقم 20649 لسنة 92 قضائية حرص محكمة النقض المصرية على إرساء المبادئ الاستقرائية الدقيقة لضمان سلامة بناء أحكام محاكم الموضوع وحماية حقوق المتقاضين من أوجه القصور والإغفال الإجرائي والموضوعي. فليس القضاء مجرد فصل صوري في النزاعات، بل هو تمحيص دقيق وموازنة بين طلبات الخصوم ودفوعهم ودلائلهم، وتطبيق حاسم لقواعد الإثبات الآمرة وفي صدارتها حجية الإقرار القضائي.

No comments:

Post a Comment

أحذر من عدم دقة اقوالك و مدونات مذكراتك امام القضاء

العدالة في مدونات القضاء: تحليلات أصولية وقراءات تحليليّة في أحدث أحكام محكمة النقض المدنية (الطعن رقم 20649 لسنة 92 قضائية) المقدمة والتعري...