Thursday, August 27, 2026

العلاقة بين النيابة العامة والخبرة في قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد


     تُمثّل العلاقة بين النيابة العامة والخبرة الفنية حجر الزاوية في بناء الدليل الجنائي واستظهار الحقيقة في التشريع الإجرائي الحديث. ومع تعقد الجرائم وتطور الوسائل المستحدثة في ارتكابها (سواء الجرائم الإلكترونية، أو المالية، أو التزوير، أو الطب الشرعي، أو الفحوصات البيولوجية DNA)، أصبحت الاستعانة بآراء أهل الفن والاختصاص ضرورة ملحة لا غنى عنها للتحقيق الجنائي الإبتدائي.

    ويأتي تنظيم قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد لهذه العلاقة ليرسخ التوازن بين سلطة التحقيق التي تمارسها النيابة العامة بصفتها الأمينة على الدعوى العمومية، وبين الضمانات القانونية والمحاكمة العادلة التي تكفل حقوق المتهم وسائر الخصوم. و يحكم رسم الاطار العام لهذه العلاقة احكام  المواد من المادة (99) الى المادة (103) من قانون الاجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025.

أولًا: العلاقة «جملةً» (الإطار العام والأحكام الكلية)

    تتحدد طبيعة العلاقة الكلية بين النيابة العامة والخبرة في عدة مبادئ وأركان جوهرية:

1. التبعية الإجرائية والإشراف:

    الخبير المنتدب في التحقيق الجنائي يُعتبر مساعدًا لسلطة التحقيق؛ فهو لا يستمد سلطته في الفحص أو الاطلاع إلا من خلال قرار الندب الصادر من النيابة العامة. وبناءً على ذلك، تظل النيابة العامة هي المهيمنة على سير التحقيقات والمشرفة على المدى الزمني والمكاني والإجرائي لأعمال الخبرة.

2. مبدأ «النيابة العامة هي الخبير الأعلى في الدعوى»:

    تخضع التظلمات والتقارير الفنية للتقدير الموضوعي والقانوني لعضو النيابة العامة. فالتقرير الفني لا يقيد سلطة التحقيق، بل يظل عنصرًا من عناصر الإثبات المطروحة للبحث؛ وللنيابة العامة مطلق الحرية في الأخذ بما ينتهي إليه الخبير كليًا، أو الأخذ ببعضه وإسبعاد بعضه الآخر، أو طرحه جانبًا واستبدال الخبير بأمر مسبب إذا رأت عدم كفاية الأسباب أو تناقض النتيجة مع الحقائق المادية في الأوراق.

3. التوازن بين سرعة التحقيق وحقوق الدفاع:

    حرص القانون الجديد على إحداث توازن بين مرونة عمل النيابة العامة واستعانة الخبراء للوصول للحقيقة، وبين تكريس حماية حقوق الدفاع عبر تنظيم الاستعانة بالخبراء الاستشاريين وضبط إجراءات وحالات رد الخبراء ومواعيد إنجاز التقريرات.

ثانيًا: العلاقة «تفصيلًا» (الأحكام التفصيلية والإجراءات)

    تتوزع الإجراءات الحاكمة لهذه العلاقة على مسار العملية الإجرائية منذ قرار الندب وحتى تقديم التقرير ومناقشته:

1. أصالة سلطة الندب والشروط الإجرائية لقرار النيابة

    الأمر المسبب بالندب: إذا استلزمت التحقيقات الفصل في مسألة فنية (طبية، هندسية، محاسبية، كيميائية، أو تكنولوجية)، يصدر عضو النيابة العامة أمرًا مسببًا بالندب. يحدد هذا الأمر بدقة طبيعة المهام المطلوب تنفيذها، والأسئلة الفنية المراد الإجابة عليها، ونطاق المستندات المصرح للخبير بالاطلاع عليها.

    تحديد الأجل الزمني: يُلزم القانون الجديد النيابة العامة بتحديد ميعاد قاطع ومحدد للخبير لتقديم تقريره الفني؛ وذلك للحيلولة دون إطالة مدة التحقيقات أو مدد الحبس الاحتياطي بانتظار التقارير الفنية.

2. أداء اليمين والتأهيل القانوني للخبير

    الخبراء المقيدون بالجدول: إذا كان الخبير المنتدب من مقيدي الجداول الرسمية للخبراء (مثل خبراء مصلحة الطب الشرعي، أو خبراء وزارة العدل، أو خبراء المعامل الكيماوية بمصلحة الطب الشرعي)، فإنه لا يحتاج لإعادة أداء اليمين أمام النيابة العامة اكتفاءً باليمين العامة التي أداها عند توليه وظيفته.

    الخبراء غير المقيدين (الخبراء من الخارج): إذا استعانت النيابة بخبير من غير المقيدين بالجداول (كأستاذ جامعي متخصص في مجال نادر)، يُلزم القانون الخبير بأداء اليمين أمام عضو النيابة العامة قبل البدء في عمله بنص: "أن أؤدي عملي بالصدق والأمانة". ويُعد حلف اليمين في هذه الحالة شرطًا جوهريًا يترتب على بطلانه بطلان التقرير الفني.

3. مباشرة أعمال الخبرة وحضور الخصوم

    الأعمال الميدانية والفحص: يمارس الخبير عمله تحت supervision وتوجيه النيابة العامة. ويحق لعضو النيابة الحضور بنفسه أثناء مباشرة الأعمال الفنية إذا رأى مصلحة في ذلك.سرية التحقيق وتواجد الخصوم: أتاح القانون للنيابة العامة تصريح حضور المتهم ودفاعه أثناء إجراء الخبرة ما لم تقتضِ الضرورة الفنية أو الاستعجال غير ذلك، أو إذا كان الحضور يُؤثر على سلامة العينات أو سرية إجراءات التحقيق. الاطلاع على الحرز والأوراق: تمكن النيابة العامة الخبير من الاطلاع على الأحراز والأوراق والملفات المتعلقة بالدعوى في الحدود التي تمكنه من كتابة تقريره الفني دون الانتقاص من سريتها.

4. النظام القانوني للرد والاستبدال

    حالات الرد: أتاح القانون للخصوم (المتهم، أو المدعي بالحقوق المدنية) حق تقديم طلب مسبب لرد الخبير إذا توافرت في حقه أسباب ترجح عدم حيدته (كوجود قرابة أو خصومة أو مصلحة مباشرة في الدعوى).

    إجراءات الرد والمهل الزمنية: يُقدم طلب الرد إلى النيابة العامة المباشرة للتحقيق، وتلتزم النيابة بالفصل في طلب الرد خلال 3 أيام من تاريخ تقديمه. ويترتب على تقديم الطلب وقف أعمال الخبرة فورًا، إلا إذا صدر أمر مسبب من النيابة العامة باستمرار الأعمال في الحالات العاجلة التي يترتب على تأخيرها تلف الأدلة أو ضياعها.

    سلطة الاستبدال عند التراخي: إذا أخفق الخبير المنتدب في تقديم التقرير خلال الأجل المباشر المخصص له في قرار الندب دون تقديم عذر مقبول، يُتاح لعضو النيابة العامة إصدار قرار بإلغاء ندبه واستبداله بخبير آخر، مع اتخاذ الإجراءات التأديبية أو المالية المقررة قانونًا ضده إذا ثبت تقصيره.

5. الاستعانة بالخبراء الاستشاريين وتوازن حقوق الدفاع

    حق الخصوم في الندب الاستشاري: حرص التشريع الجديد على تمكين الخصوم (وخاصة دفاع المتهم) من الاستعانة بخبير استشاري لمرافقة أعمال الخبير المنتدب أو فحص تقريره.

    تمكين الخبير الاستشاري: يُتاح للخبير الاستشاري الاطلاع على الأوراق والتقارير المقدمة من الخبير المندوب وتدقيق الفحوصات، وتلتزم النيابة العامة بإرفاق تقرير الخبير الاستشاري وملاحظاته ضمن ملف التحقيق ليكون تحت نظر سلطة الاتهام أو محكمة الموضوع.

6. التقييم القضائي والمناقشة الفنية للتقرير

    استدعاء الخبير ومناقشته: يملك عضو النيابة العامة -من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب الخصوم- استدعاء الخبير المنتدب لمناقشته شفاهةً في التقرير، أو استيضاح النقاط الغامضة، أو توجيه أسئلة إضافية تكشف عن مدى الدقة العلمية والموضوعية للنظريات والفحوصات المستعملة.

    عدم نفاذ التقرير تلقائيًا: التقرير الفني هو مجرد عنصر استدلالي واستشاري في التحقيق؛ فالنيابة العامة إذا تبين لها عدم كفاية الأبحاث أو وجود تناقض ظاهري في النتائج، تملك استدعاء لجنة ثلاثية من الخبراء أو إحالة الفحص لجهة أعلا درجة (كالإدارة المركزية للطب الشرعي أو اللجان الفنية العليا).

ثالثًا: الأثر التطبيقي والنتائج القانونية

    تتجلى ثمار تنظيم العلاقة بين النيابة العامة والخبرة في قانون الإجراءات الجنائية الجديد في التكييف القانوني والدستوري السليم للدليل الفني:ضمان عدم ضياع معالم الجريمة: يتيح الندب الفوري والسريع للخبراء التحفظ على العينات الرقمية والجينية فور ارتكاب الجريمة دون إبطاء.

    تفادي البطلان الإجرائي: يترتب على مخالفة القواعد التفصيلية لندب الخبير (مثل عدم أداء اليمين للخبير من خارج الجداول، أو تجاهل البت في طلبات الرد، أو حرمان الدفاع من مناقشة الخبير) بطلان التقرير الفني وعدم جواز الاستناد إليه في بناء أمر الإحالة أو حكم الإدانة.

    تسريع وتيرة التحقيقات: يسهم تحديد المهل الزمنية والتزام الخبراء بالمواعيد المقررة في الحد من طول فترات التحفظ والحبس الاحتياطي، مما يحقق عدالة ناجزة. تظل الخبرة الفنية أداة في يد النيابة العامة وليست بديلًا عنها؛ فالقاضي وعضو النيابة هما صاحبا القول الفصل في تقدير الدليل ورسم العقيدة القضائية، وتظل العلاقة بين الطرفين علاقة التكامل الفني والإجرائي الساعي لتحقيق العدالة وسيادة القانون.

No comments:

Post a Comment

أحذر من عدم دقة اقوالك و مدونات مذكراتك امام القضاء

العدالة في مدونات القضاء: تحليلات أصولية وقراءات تحليليّة في أحدث أحكام محكمة النقض المدنية (الطعن رقم 20649 لسنة 92 قضائية) المقدمة والتعري...